أبو حامد الغزالي
55
تهافت الفلاسفة
الاعتقاد » ومقصود هذا العلم حراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة ، ولا يكون هذا العلم مليا « 1 » بكشف الحقائق . وبجنسه يتعلق الكتاب الذي صنفناه في « تهافت الفلاسفة » كذلك يقول الغزالي في كتاب جواهر القرآن : « وهذه العلوم - أعنى علم الذات ، والصفات ، والأفعال ، وعلم المعاد - أودعنا من أوائله ومجامعه القدر الذي رزقنا منه ، مع قصر العمر ، وكثرة الشواغل والآفات ، وقلة الأعوان والرفقاء ، بعض التصانيف ؛ لكنا لم نظهره ، فإنه يكل عنه أكثر الأفهام ، ويستضر به الضعفاء ، وهم أكثر المترسمين « 2 » بالعلم ، بل لا يصلح أظهاره إلا على من أتقن علم الظاهر « 3 » . . . وحرام على من يقع ذلك الكتاب في يده أن يظهره إلا على من استجمع هذه الصفات » . فأنت ترى من ذلك أنه لا يصح مطلقا استمداد آراء الغزالي الخاصة به ، إلا من هذا الصنف من الكتب دون غيره ، وظاهر أن كتاب « التهافت » ليس من بينها ، فلا يصح اعتباره مصورا لآراء الغزالي وأفكاره الخاصة . وأخيرا فقد ألف الغزالي كتاب « التهافت » حين كان يطلب الجاه ، والشهرة وبعد الصيت ، فكان يناصر المذهب الذي يجلب له كل ذلك ، لا المذهب الحق في ذاته ، وذلك أن أهل السنة في تلك الفترة كانوا يضيقون ذرعا بالمعتزلة والفلاسفة ؛ ولكنهم كانوا واجدين بين صفوفهم من يجرؤ على مناوأة المعتزلة ، والرد عليهم ؛ ولم يكونوا واجدين من يستطيع أن يتقدم إلى الفلاسفة ليطعنهم بسلاح العلم والمعرفة ، حتى يعيش مذهب أهل السنة في طمأنينة وأمان ، فكان المجال فسيحا لمن يريد أن يتقدم ، لينال من ألقاب الفخار ما تصبو إليه نفسه ، مما لم ينله أحد قط ؛ فوجد « أبو حامد » في هذا مجالا لإشباع غروره ، فحمل على الفلاسفة حملة عنيفة ، طيرت اسمه في الآفاق ، ورددت في الخافقين ذكره ، قال الغزالي :
--> ( 1 ) لعلها معنيا . ( 2 ) والعلماء الرسميون هم علماء الكلام في زمنه . ( 3 ) وهنا يذكر شروطا كالشروط التي مرت له . ص 52